الشيخ محمد الصادقي

253

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

معهم فهو متعلم منهم لأكثر تقدير ! . ولأنه لمس منهم أنهم ليسوا ليغيروا مواقفهم بذلك التنديد أخذ في شديد التهديد : « لأقطعن . . » وهو عقوبة كانت تجري بأعصى العصاة البغاة ، ولو كان إيمانهم مكرا لكانوا يتركون موسى إلى فرعون تائبين ، إذ لم تكن لموسى سلطة زمنية إلّا هذه الآية ، فلو كانت سحرا لما كانوا يظلّون معه فيذلون ! . فذلك الصمود رغم ذلك التهديد - وهم مهرة الفن - دليل قاطع لا مردّ له أنهم أثبتوا دون ريبة أن الحق مع موسى الرسول ، فلا مرد لإيمانه به وله ولا تحويل ، ولكن الطاغية ليس ليدرك كيف يتسرب النور إلى القلب فيقلبه من علواء السوداء إلى علياءه البيضاء ، وهو يحسب القلب قالبا يتقلب بتقليبه ويتألب بتأليه ، وهو بين أصبعي الرحمن يقلبه كيف يشاء . فيا ويلاه لفرعون صاحب العرش الروحي ! والزمني ، أن ينفلت من سلطة الكهنة السحرة الذين هم سناد الناس في التسليم لفرعنته ، فما ذا يصنع إذا بالناس ولا حراس هنا بعد عليهم لصالحه ولا اكتراس لأساس . ذلك ومن دأب الفراعنة الدائب أنهم يواجهون أندادهم بالتنكيل والتعذيب بعد ما كلّ دليلهم وعلّ كليلهم فهم مفضوحون ، وهنا اليد السماوية تكسر اليد الأرضية حيث تنتصر في المسرح المصرع العقيدة الصالحة على كل زخرفات الحياة ، احتقارا للفناء الزائل البواء إلى جوار الخلود المقيم البقاء . قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) . « منقلبون » انقلابا محتوما مختوما عن أي انغلاب ، لا يقلّبنا عن ذلك الإيمان أي عامل قاس بأي مراس واكتراس ، حيث إن صاحب الإيمان السليم لا يفزع ولا يتزعزع أو يخضع ويخنع . وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) .